سعود السويّل


Saud Al-Sowayel

في ٢٢ إبريل ٢٠٢١م، الساعة الرابعة والثلث عصراً

وصلني اتصال بوفاة الأخ العزيز سعود إبراهيم السوّيل

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته

في ١٩٨٧م قررت الانسحاب من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، واتجهت إلى الرياض. كانت دراستي في هندسة الحاسب الآلي، فكان لدي شغف بكتابة البرامج قبل الجامعة. لم تكن الفرص الوظيفية كثيرة، فمن يقبل شخص لم يكمل دراسته الجامعية ويحمل شهادة الثانوية العامة؟


عملت في البداية كمساعد مشغّل حاسب آلي في مكتب المهندس نزار كردي. تنفيذ النسخ الاحتياطي، تنظيف غرفة الحاسب الآلي المركزي، تمديد أسلاك، تغيير ورق، .. بالاضافة لامكانية حضور الدورات التدريبية التي تقام في المكتب، مجاناً. فحضرت جميع الدورات المتعلقة بالحاسب الآلي. بعد عدة أشهر، حصلت على وظيفة مشغّل حاسب آلي في مستشفى قوى الأمن، وهنا بدأت معرفتي بالاستاذ سعود.

أثناء عملي في المستشفى، اتصل بي الاستاذ سعود عن طريق أحد المعارف، ليطلب مني تعديل بعض البرامج المكتوبة بلغة كوبول. ولكن بعد استيعابي لضخامة العمل المطلوب، اقترحت شخص آخر أفضل مني ليقوم بهذه المهمة، وانتهت المكالمة.


بعد عدة أسابيع، تواصلنا معاً ليعرض علي وظيفة في شركة تقنية قيد التأسيس، بأهداف تقنية ووطنية جميلة. فرحّبت بالفكرة، واستقلت من المستشفى وبدأت عملي في “المصدر”، شركة سعودية للأنظمة. كان سعود السويّل الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة.

أحضر لي كتاب The C Programming Language وطلب مني تعلّم اللغة لوجود بعض المشاريع لها. سألني بعد اسبوع إذا كنت قد تمكّنت منها جيداً ليبدأ باحضار المشاريع، فقلت له: “لأ طبعا”، فعقّب: “ليه، أنا تعلمتها في ويكإند”. هنا بدأت بالسؤال عن تحصيله التعليمي، لأعرف عن دراساته العليا في MIT. ليس هذا فحسب، فهناك بكلوريوس بالأدب الألماني لمحبته للشعر الألماني.

توالت وتعددت المشاريع والحمد لله، وكان الاستاذ سعود هو التاجر والتنفيذي والاستشاري والمهندس والمصمم والمبرمج. والتوظيف كان مرتبط بالعمل في المشاريع، وتثبيت الموظفين له ارتباط بجودة ما يقدّمون وإمكانية عملهم في مشاريع مستقبلية.


لعل أضخم مشروع تم إنجازه بفترة قصيرة جداً، له علاقة بغزو العراق للكويت، وتجهيز أحد القطاعات الحكومية بنظام GIS يحتوي على خرائط وقواعد بيانات متكاملة من جميع قطاعات المملكة. مع قاعة لمحطات العمل المطلوبة، وقاعة للإيجاز والتوجيهات بمنصة شرح ومقاعد للحضور، وقاعة لطباعة الخرائط الكبيرة والتصوير.


إذا دخلت مكتب الاستاذ سعود أثناء العمل، ستجده في ركن الغرفة بتركيز على شاشة الكمبيوتر، وصوت غير منقطع لمفاتيح الكيبورد، ثم يفاجئ من يدخل بكلمة “أهلاً” بابتسامة وصوت جهوري.

إعطاء الفرص كان نمط الحياة في المصدر. من كان لا يعرف، فهناك مصادر كثيرة للمعرفة، والرفض لم يكن في قاموسه. إذا كانت تعرف ماذا تريد، وكيف ستحققه، والخطوات المطلوبة لإنجازه، فستلقى الدعم بأنواعه.


احتضنت المصدر الكثير من الموظفين المتدربين، بلا مشاريع تجارية، فقط لتنمية مهاراتهم ومعرفتهم وقدراتهم، في شتّى المجالات. أتذكر أحدهم كان شاب في المدرسة يهوى التصميم الفنّي، وتم تزويده بمحطة عمل متكاملة بأدوات التصميم من أدوبي، مع مكافأة شهرية.


كانت أجمل ثمان سنوات في حياتي المهنية، تعلمت بها الكثير محلياً ودولياً، شخصياً وعملياً. وما تعلمته في المصدر، انتقل معي في حياتي المهنية والشخصية إلى ما بعد التقاعد. لدي من الطرائف والمواقف الكثير الكثير، ولكن لن أفصح عنها هنا لتبقى خاصة في ذاكرتي.


رحمك الله يا سعود، ووسّع الله لك في آخرتك كما وسّعت لكثير من الناس في دنيتك.